الشيخ عبد الغني النابلسي
18
ديوان الحقائق ومجموع الرقائق
فالباب الأول يدخل منه العارف إلى جنة المعارف . والباب الثاني يدخل منه السالك بالعبادة في طريق الإخلاص والسيادة والسعادة . والباب الثالث يدخل منه المتشبّه بالعابد وهو غير سالك ، الواقف عن المشي في هذه المسالك . والباب الرابع يدخل منه صاحب الهوى النفساني والعشق المتعلق بالعالم الفاني ، فإنه يكون شبكة لغرضه ، وسببا إن شاء اللّه تعالى لشفاء مرضه ، فإن الأمور إذا بلغت إلى حدّها انعكست إلى ضدّها . وبالجملة فكل باب يمدّ أهله بما هم فيه ، وينطق على ألسنتهم المعربة عن أحوالهم بكلمات فيه ، وما ذلك إلا لأني في مقام عن كلهم منيع ، وهو متّصف بأوصاف الجميع ، فأمدّ كلّ تجلّ بما فيه مني بحيث إن أهله يفرحون بغيث سحابه المريع . وقد كنت عند فتح هذه الأبواب ظاهرا بحال كل فريق ولابسا ما يلبسونه من الأبواب ، ولا يعرفني في مقامي إلا من دخل بيتي هذا من أقوامي ، فإنه البيت الذاتي ، ومحل آلامي ولذاتي ، وقد فتحت أبوابه الأربعة ، وأجريت أنهاره المنبعة ، فيطلب كل فريق مأربهم و قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة : 60 ] ، ولا يقدر أحد أن يدخل إلى هذا البيت ، ويطوف بهذه الكعبة ذات الأركان الأربع التي لها بنيت ، إلا كلّ من فتح له أحد هذه الأبواب ، وكان من أهل الإيمان به وقد تطهّر بماء الآداب ، وإلا فإنه كالقابض على الماء يظن كفّه غارفا ، ويحسب قلبه عارفا وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً [ محمد : 16 ] . وإني لأدعو اللّه تعالى سرّا وجهارا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً « 1 » [ نوح : 28 ] . وهذا أوان الشروع في بيان المقصود ، بمعونة الملك الحق المعبود . الباب الأول من الديوان الكبير ، والبدر المشرق المنير ، المسمّى بديوان الدواوين ، وريحان الرياحين في تجليات الحق المبين على جميع أنواع الصيغ والتلاوين . بسم اللّه الرّحمن الرحيم الحمد للّه مخترع الوجود من غير مثال سابق ، ومفيض النعماء والجود على عبده الطائع والآبق « 2 » ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد المختار ، وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، ما تعاقب الليل والنهار .
--> ( 1 ) تبر تبارا : هلك . ( 2 ) أبق العبد : هرب من مالكه فهو آبق وأبوق .